Saturday, October 25, 2014

ارهاب واستنفار امني في كندا والغرب: على نفسها (وعلينا) جنت براقش


في غضون يومين, تعرضت كندا لعمليتين ارهابيتين قام بهما متطرفين تكفيريين معروفين للسلطات الامنية هناك. احدى هذه العمليات تحمل رمزية خطيرة, حيث هاجم ارهابي تكفيري مدجج بالسلاح البرلمان الفيديرالي واشتبك مع حراس البرلمان داخله لمدة ساعات.

ما يثير سخطي, واشمئزازي ايضا, ان السلطات الكندية (والغربية عموما ومن ضمنها السلطات الاسترالية) ما زالت تتسائل: لماذا؟ وكيف؟

السلطات الاسترالية (والكندية) تود ان تقنعنا ان التطرف والارهاب ولدا بالامس وتدربا بالامس وتسلحا بالامس. هذه السلطات تتحدث في معرض حديثها عن التطرف والارهاب عن داعش فقط. فلا قاعدة مارست ارهابا. ولا جبهة نصرة ذبحت وسلخت وحرقت الناس احياءا. ولا جيش سوري حر قطع اعناق ونبش قبور وفتح صدور واكل اكباد.

في شهر فبراير 2012 اطلق ملتحون متطرفون النار على السيد علي ابراهيم امام باب منزله في مدينة سيدني الاسترالية. جريمة علي الوحيدة انه وضع صورة الرئيس السوري بشار الاسد كصورة لحسابه على الفيسبوك. السلطات الامنية الاسترالية لم تحاكم احدا على هذه الجريمة التي كادت ان تودي بحياة احد مواطنيها الشرفاء او ان تقعده للابد.

لم تكتف السلطات الامنية الاسترالية بالتقاعس في التحقيق بالجريمة, بل عملت على التستر عليها. فعندما قمت بالاتصال بالصحافة الاسترالية لفضح هؤلاء المتطرفين, تلقيت اتصالا غاضبا من مركز الشرطة المحلي. الضابط المناوب هددني ان لم اوقف الحملة الصحافية, سيتم اعتقالي بتهم نشر اكاذيب قد تؤدي الى اعمال عنف مجتمعية. بالرغم من عدم رضوخي للضغوط. وبالرغم من التغطية الاعلامية الواسعة للجريمة. الا ان المجرمين لم يحاكموا حتى يومنا هذا.

قبل يومين من هذه الجريمة, سافر 30 متطرفا من مدينة سيدني الى العاصمة الفيديرالية كانبيرا. قاد هؤلاء المتطرفون مظاهرة همجية سارت في شوارع العاصمة وانتهت بالهجوم على السفارة السورية وتدمير بعض محتوياتها. ولقد اخبرني القائم باعمال السفير السوري فيما بعد ان السفير العراقي كان قد لاحظ هؤلاء الهمج يزحفون على السفارة فابلغ الشرطة الفيديرالية المولجة حماية السفارة, كما ابلغ القائم باعمال السفير السوري. ولم تتحرك الشرطة الفيديرالية بسرعة لاعتراض المسيرة وتاخرت الى ان قام المتظاهرون بالهجوم على السفارة ونهب بعض محتوياتها والهروب. وبالرغم من كل ذلك ومن حقيقة ان السفارة سلمت السلطات الامنية اشرطة الفيديو, الا ان السلطات لم تعتقل احدا ولم تحاكم احدا, حتى هذه اللحظة.

منذ ذلك الوقت, شنت المجموعات المتطرفة الهجوم تلو الهجوم على كل من اعتبرتهم "كفرة... مرتدين... شيعة... علويين... ومعارضين للثورة في سوريا". فاحرقت محال وهوجمت مراكز دينية شيعية وعلوية وهددت شخصيات واعتدي على ناشطين. وفي كل هذه الهمروجة كانت السلطات تصر ان "كل شيء على ما يرام" وانه لا يوجد تطرف ولا خطر ارهابي. ولم يعتقل احد.

السلطات كانت تعلم ان المجموعات المتطرفة كانت تمارس غسيل دماغ وتستقطب متطرفين وتجمع تبرعات ترسلها مع مقاتلين الى سوريا. وان كانت السلطات لا تعلم, فقد عملنا على تجميع كل ما وقع تحت ايدينا من معلومات وسلمناها للسلطات ووسائل الاعلام. وبالرغم من ذلك, احجمت السلطات عن اتخاذ اي اجراء لمنع انفلاش التطرف والارهاب.

حتى عندما تعرضت شخصيا لاعتداء من متطرفين امام شاشات التلفاز في منتصف عام 2013 (بعد حملة تهديدات واسعة تعرضت لها منذ منتصف عام 2012 الى منتصف عام 2013 تضمنت تهديدات بالقتل), كانت السلطات ما تزال تصر ان "كل شيء على ما يرام" وتنفي ان هناك مراكز تدير التطرف وتنشره. والمتطرف الذي ارتكب جريمته امام كل استراليا, دبرت له محاكمة هزلية انتهت باطلاق سراحه دون ادانة.

ومن هنا ياتي سخطي وغضبي من تساؤل السلطات الغربية من اين اتى كل هذا التطرف في مجتمعاها.

فالسلطات الاسترالية (كما غيرها من السلطات الغربية كما اعرف) سمحت بنشاطات التكفيريين ودعمتهم وغضت النظر عن تجاوزاتهم وسمحت لهم بالسفر الى سوريا. كما سمحت لمراكزهم ببث الكراهية الطائفية. كما سمحت لهذه المراكز ان تنمو وتجمع تبرعات بالملايين وترسلها للمجموعات المسلحة في سوريا. كما قامت السلطات ووسائل الاعلام بتبني رواية المجموعات التكفيرية عن حقيقة ما يحدث في سوريا باعتبارها ثورة شعبية وليست عمليات ارهاب ممنهجة.

بل وانه بالرغم من عودة عشرات الاستراليين من سوريا بعد القتال هناك, فانه لم يتم اعتقال اي واحد منهم, حتى الان. حتى مع الحملة الاخيرة من المداهمات والاعتقالات, فان معظمها كان مسرحي لذر الرماد في العيون واسكات الاصوات التي تتهم الحكومة بالتقاعس وتحملها اي نتائج لهذا التقاعس. والا فلماذا يتم مداهمة منزل المواطن من اصل افغاني مصطفى الديراني ويتهم بدعم الارهاب التكفيري بالرغم من ان السيد مصطفى شيعي يرفض الفكر التكفيري جملا وتفصيلا؟ ولماذا لم يتم مداهمة منازل زعماء المجموعات التكفيرية ومن قام وبشكل علني بالدعوة للجهاد في سوريا والعراق والاعتداء على اتباع المذاهب الاخرى؟

السلطات الغربية التي دعمت المؤامرة لتفتيت سوريا بتشجيع الارهابيين وتسهيل وصولهم الى سوريا وتمويل انشطتهم يجب ان لا تتظاهر بالبراءة من نتائج ما اقترفته. فالارهاب في اوتاوا الكندية اليوم. والارهاب الذي قد يضرب اي مدينة غربية غدا. كله نتيجة حتمية للسياسات الخطرة المتهورة التي اتبعتها هذه الدول خلال السنوات الاربع الماضية في الشرق الاوسط ومشروع تفتيته باستخدام الاسلام السياسي التكفيري.

حذرت ومنذ بداية الازمة السورية بان مشروع تفتيت سوريا لن يمر. كما حذرت (وغيري من العقلاء) ان فشل المشروع سيجر الويلات على العالم بعد ان يقرر التكفيريون الذين استقدموا من اكثر من 83 دولة لتحقيق هذا الكابوس العودة لبلدانهم ومحاولة اقامة ولايات اسلامية فيها. او ان يقرر هؤلاء ان العالم تكالب عليهم لمنعهم من انشاء خلافتهم, ولا بد من الانتقام من كل العالم.

على السلطات الغربية ان لا تتهرب من المسؤوليات والبدء بتحمل نتائج السياسات الكارثية التي اتبعتها في الشرق الاوسط. يبدا ذلك بالاعتراف باخطاء هذه السلطات في سوريا والعمل على التعاون مع السلطات السورية لمكافحة الارهاب التكفيري العابر للدول والقارات.

من الواضح ان السلطات الاسترالية لم تصل الى هذه المرحلة بعد. فالسلطات ما تزال تستخدم نفس اللغة في التعامل مع الكارثة الانسانية المسماة "ثورة سورية". كما ان هذه السلطات ما تزال تصر على ان المتطرفين الذين شجعوا الارهاب بالامس, هم مفاتيح الحل لمحاربة هذا التطرف. والسلطات الاسترالية ما تزال تتراخى مع المراكز التكفيرية التي ما تزال تصر على وجوب الجهاد في سوريا.

يبدو ان ما حدث في كندا هو البداية... والقادم اعظم. وعلى الغرب ان يستعد لحرب مفتوحة مع ارهاب ساعد في انشاءه...